معركة الريدانية 1517م: نهاية دولة المماليك كما يرويها ابن زنبل الرمال
تُعد معركة الريدانية التي وقعت في يناير عام 1517م من أهم المعارك الفاصلة في تاريخ مصر والشرق الأوسط، إذ مثلت نهاية دولة المماليك التي حكمت مصر قرابة ثلاثة قرون (1250-1517م)، وبداية عصر جديد دخلت فيه مصر تحت السيادة العثمانية. يقدم لنا الشيخ أحمد بن زنبل الرمال، المعاصر لتلك الأحداث، رواية فريدة ومفصلة لهذه المعركة في كتابه “آخرة المماليك”، الذي يمزج بين التأريخ الموضوعي والرؤية الشعبية للأحداث، مسلطًا الضوء على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والسياسية التي صاحبت سقوط دولة المماليك.
خلفية تاريخية: من مرج دابق إلى الريدانية:
قبل الوصول إلى معركة الريدانية، لا بد من العودة إلى المعركة الفاصلة الأولى التي سبقتها، وهي معركة مرج دابق التي وقعت في أغسطس 1516م قرب حلب. في هذه المعركة، التقى جيش المماليك بقيادة السلطان قانصوه الغوري مع الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول. ورغم التفوق العددي والتدريب العالي لفرسان المماليك، إلا أن المعركة انتهت بهزيمة ساحقة للمماليك ومقتل سلطانهم الغوري في ظروف غامضة.
يروي ابن زنبل أن سبب الهزيمة لم يكن التفوق العسكري العثماني فحسب، بل كانت الخيانة الداخلية عاملاً حاسمًا. فقد كان الأمير خاير بك نائب حلب على اتصال سري بالسلطان سليم، كما أن الصراعات الداخلية بين المماليك أنفسهم، وتحديدًا بين “القرانصة” (مماليك السلاطين السابقين) و”الجلبان” (مماليك الغوري)، قد فتتت وحدة الجيش المملوكي. ويشير ابن زنبل إلى أن السلطان الغوري كان يعلم بنبوءة المنجمين بأن زوال ملكه سيكون على يد شخص اسمه بحرف “السين”، فظن أنه الأمير سيباي نائب الشام، بينما كان المقصود السلطان سليم نفسه.
بعد مقتل الغوري، عاد فلول الجيش المملوكي إلى حلب ثم إلى دمشق فمصر، حاملين معهم خبر الهزيمة ومصرع السلطان. وكان من بين العائدين الأمير خاير بك الذي دخل حلب وسيطر عليها وسلمها للسلطان سليم دون قتال، ليبدأ فصل جديد من الصراع على عرش مصر.
طومان باي: آخر سلاطين المماليك:
في القاهرة، اجتمع الأمراء المماليك بعد كارثة مرج دابق لتولية سلطان جديد يقود المقاومة ضد الزحف العثماني. وقع اختيارهم على الأمير طومان باي، الذي كان نائبًا للغوري في مصر. يصفه ابن زنبل بأنه كان “ملكا خليا قليل الأذى كثير الخير”، شجاعًا تقيًا، عُرف بعدله وحسن سياسته للناس في فترة غياب السلطان الغوري. وقد قبل طومان باي السلطنة على مضض، مدركًا حجم المسؤولية والمخاطر المحدقة بمصر.
الاستعداد للمعركة:
بدأ طومان باي في تنظيم الدفاع عن مصر فور توليه السلطنة. أدرك أن الجيش المملوكي قد أنهكته هزيمة مرج دابق وفقد معظم قادته، لكنه مع ذلك جمع فلول الجيش وحاول رفع معنوياتهم. كما اتخذ إجراءات دفاعية مهمة، أبرزها تحصين منطقة الريدانية شمال القاهرة، التي اختارها موقعًا للمعركة الفاصلة.
يقول ابن زنبل إن طومان باي أحضر المدافع الكبيرة التي كانت مخزنة في القلعة ونصبها في الريدانية، وحفر خندقًا حولها، ووضع خلفها نحو ألف جمل تحمل صناديق كبيرة تخفق في الهواء لإرهاب خيول العدو. كما جمع المؤن والعتاد استعدادًا لحصار قد يطول، لكن الأحداث جرت بخلاف ما توقع.
كان طومان باي يعلم أن جيشه يعاني من الانقسامات الداخلية، حيث كان الأمراء مختلفين فيما بينهم، وكانت النفوس مليئة بالحسد والكراهية. ومع ذلك، حاول توحيد كلمتهم وحثهم على القتال دفاعًا عن بلادهم وحريمهم وأولادهم.
الخيانة تضرب من جديد:
إذا كانت الخيانة قد لعبت دورًا كبيرًا في هزيمة مرج دابق على يد خاير بك، فإن معركة الريدانية شهدت خيانة جديدة كانت أكثر فتكًا. هذه المرة، كان الخائن هو الأمير جان بردي الغزالي، الذي كان طومان باي قد ولاه قيادة أحد أجنحة الجيش.
يروي ابن زنبل قصة الخيانة بتفصيل درامي. فعندما كان طومان باي والأمراء يتشاورون حول خطة الدفاع، كان الغزالي يخطط سرًا لخيانته. ففي إحدى الليالي، كتب الغزالي رسالة إلى السلطان سليم يخبره فيها بخطة الدفاع المصرية، ويكشف له نقطة الضعف فيها: أن المدافع منصوبة لمواجهة الهجوم من الأمام فقط، وينصحه بالالتفاف حولها عبر جبل المقطم ليأتي من الخلف. أرسل الرسالة إلى خاير بك الذي بدوره أوصلها إلى السلطان سليم.
هذه الخيانة كانت القشة التي قصمت ظهر الدفاع المصري، فقد مكنت العثمانيين من توجيه ضربتهم القاضية من حيث لا يتوقعها المماليك.
أحداث المعركة:
في صباح يوم الثلاثاء الأخير من شهر ذي الحجة سنة 922هـ (يناير 1517م)، كانت جيوش العثمانيين قد وصلت إلى الريدانية. كان طومان باي والأمراء على أهبة الاستعداد، ينتظرون قدوم العدو. وفجأة، فوجئوا بجيش عثماني ضخم ينهمر عليهم من خلفهم من ناحية الجبل، وكأنه الجراد المنتشر.
يقول ابن زنبل إن طومان باي لما رأى ذلك أيقن أن الغزالي قد خانه، وأن نصائحه السابقة بدفن المدافع في الرمال كانت جزءًا من المؤامرة. ورغم صدمته، لم يستسلم، بل قاتل ببسالة هو والأمراء المخلصون معه. توجه طومان باي والأمير علان والأمير كرتباي الوالي نحو سنجق السلطان سليم، وتمكنوا من الوصول إليه.
وفي مشهد بطولي يرويه ابن زنبل، تمكن طومان باي من الوصول إلى من ظنه السلطان سليم، وجذبه من سرجه بيده اليسرى ورفعه عاليًا وضرب به الأرض فتكسرت أضلاعه. لكن تبين لاحقًا أن الذي قتله لم يكن السلطان سليم نفسه، بل الوزير سنان باشا الذي كان يشبهه. وهنا تتجلى المفارقة الدرامية: لو كان طومان باي قد قتل السلطان سليم فعلاً، لربما تغيرت نتيجة المعركة كلها.
بعد المعركة: دخول القاهرة والفوضى:
بعد انتهاء المعركة بهزيمة المماليك، دخل العثمانيون القاهرة، لكن المدينة لم تستسلم بسهولة. يصف ابن زنبل حالة الفوضى التي سادت القاهرة بعد دخول العثمانيين، حيث انتشر النهب والسلب في كل مكان. وقد شارك في هذه الفوضى عناصر مختلفة من المجتمع، بما في ذلك “الزعر” و”الغلمان” الذين انتهزوا الفرصة لنهب البيوت.
كما تعرض المسجد الأزهر والجوامع الأخرى للانتهاك، حيث دخلها الجنود العثمانيون واعتقلوا وقتلوا المماليك الذين احتموا بها. ويصف ابن زنبل مشهدًا مروعًا لجثث المماليك ملقاة في الطرقات من باب زويلة إلى الرملية والصليبة، وأجساد بلا رؤوس، والكلاب تنبش فيها.
ويذكر ابن زنبل أن “المشاعلي” (الجلاد) الذي كان يتولى قطع رؤوس المماليك كان أفرنجيًا أو يهوديًا من الأروام، وكان يفصل رؤوس المماليك عن رؤوس الغربان والعربان، ثم ينصب الحبال على الصواري ويعلق فيها الرؤوس في الجزيرة الوسطى.
مطاردة طومان باي ونهايته المأساوية:
لم يستسلم طومان باي رغم هزيمته. فقد هرب إلى الوجه البحري ثم إلى الصعيد محاولاً حشد القوى والعودة لمواجهة العثمانيين. ويصف ابن زنبل محاولاته اليائسة لجمع الأنصار، وكيف استجار ببعض قبائل العرب مثل بني وائل والهوارة، وكيف خانه بعضهم رغم العهود والمواثيق.
وتبلغ المأساة ذروتها عندما يروي ابن زنبل قصة خيانة “حسن بن مرعي” شيخ العرب بالبحيرة لطومان باي، رغم أنه استحلفه على المصحف سبع مرات ألا يخونه. فقد قام حسن بن مرعي بالقبض على طومان باي وتسليمه للعثمانيين، بعد أن كان من أعز أصحابه.
أما نهاية طومان باي فكانت مأساوية بكل المقاييس. فقد أمر السلطان سليم بشنقه على باب زويلة، أحد أبواب القاهرة القديمة. ويصف ابن زنبل المشهد بتأثر بالغ: كيف أعدم طومان باي وهو يلبس زي العرب الهوارة، وكيف انقطع الحبل به مرتين وهو يسقط على الأرض، ثم شنقوه في المرة الثالثة. ويقول النص: “فلما شقق وطلعت روحه صرخت الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف، فانه كان شابا حسن الشكل سنه نحو أربع وأربعين سنة وكان شجاعا بطلا تصدى لقتال ابن عثمان وثبت وقت الحرب وحده”.
ويبقى جثمان طومان باي معلقًا على باب زويلة ثلاثة أيام حتى أنتن، ثم أنزل وغسل وكفن ودفن في مدرسة السلطان الغوري. هكذا انتهت حياة آخر سلاطين المماليك، وحكم دام ثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا فقط.
تحليل أسباب الهزيمة:
من خلال رواية ابن زنبل، يمكن استخلاص عدة أسباب رئيسية لهزيمة المماليك في الريدانية:
أولاً: التفكك الداخلي والصراعات بين المماليك أنفسهم. يصور ابن زنبل جيش المماليك وقد تفرق إلى فرق متباغضة: القرانصة والجلبان والخامسية وأولاد الناس، وكان كل فريق يحقد على الآخر ويتمنى زواله. هذا الانقسام جعل الجيش المملوكي أشبه بجسم مريض لا يقوى على مقاومة عدو خارجي موحد.
ثانيًا: الخيانة المتكررة. كان خاير بك وجان بردي الغزالي على رأس الخائنين الذين فضلوا مصلحتهم الشخصية على مصلحة دولتهم. وقد مهدت خيانتهم الطريق للعثمانيين لتحقيق نصر سريع وحاسم.
ثالثًا: التفوق التكنولوجي العثماني. يقرر ابن زنبل أن البندقية والمدفع كان لهما دور حاسم في المعركة، إذ لم يكن للمماليك جواب لها سوى السيوف والرماح. ويذكر قصة الرجل المغربي الذي جاء ببندقية للسلطان الغوري قبل المعركة، لكن الغوري رفض استخدامها قائلاً: “نحن لا نترك سنة نبينا ونتبع سنة النصارى”. كان هذا الموقف الديني المتصلب أحد أسباب الجمود العسكري المملوكي.
رابعًا: ضعف القيادة الاستراتيجية. كان خروج الغوري من مصر إلى الشام قرارًا غير مدروس، كما أن إهمال عقد مجلس حرب حقيقي لوضع استراتيجية واضحة للمعركة كان خطأً فادحًا. كذلك، لم يستفد المماليك من دروس مرج دابق، ولم يطوروا تكتيكاتهم لمواجهة الأسلحة النارية.
خامسًا: تخلي العربان عن المماليك. يظهر في رواية ابن زنبل دور القبائل العربية التي كانت في البداية مع المماليك، ثم انقلبت عليهم بعد أن رأت هزيمتهم. في مشهد مؤثر، يروي ابن زنبل أن عرب غزالة هاجموا طومان باي وطالبوه بالكف عن محاربة العثمانيين، قائلين له: “قد أزال الله تعالى دولتكم وجاء بهذا الملك العادل”. هذا التحول كان له أثر كبير في إضعاف فرص المقاومة.
نتائج المعركة:
كان لمعركة الريدانية نتائج بعيدة المدى على مصر والمنطقة:
- نهاية دولة المماليك: انتهت سلطنة المماليك التي حكمت مصر منذ عام 1250م، ودخلت مصر تحت السيادة العثمانية.
- تحول مصر إلى ولاية عثمانية: أصبحت مصر ولاية عثمانية يحكمها والٍ يعينه السلطان، وبدأ العمل بالنظم الإدارية والعسكرية العثمانية.
- مقتل آخر سلاطين المماليك: شنق طومان باي على باب زويلة، ليكون آخر سلطان مملوكي لمصر.
- بداية حقبة جديدة من الصراع على النفوذ: رغم انتهاء السلطنة المملوكية، إلا أن المماليك أنفسهم لم ينتهوا كعنصر اجتماعي وعسكري. فقد استمر نفوذهم في مصر لقرون تالية، حتى قضى عليهم محمد علي باشا نهائيًا في مذبحة القلعة عام 1811م. ويشير المحقق إلى أن الفترة التالية عرفت باسم “الفترة العثمانية المملوكية”، حيث كان للعثمانيين السيادة الاسمية وللمماليك النفوذ الفعلي.
الخاتمة:
تعد رواية ابن زنبل الرمال لمعركة الريدانية من أهم المصادر التاريخية التي تؤرخ لهذا الحدث الفاصل. فمن خلال عيون شاهد عيان وخبير بالرمال (ضارب الرمل) كان قريبًا من صناع القرار، نستطيع أن نرى الصورة متكاملة: الأبطال والخونة، المخططات والخيانات، الشجاعة والجبن، كلها تتداخل لتشكل لوحة تاريخية مأساوية.
وتكمن قيمة رواية ابن زنبل في أنها لا تكتفي بسرد الأحداث العسكرية والسياسية، بل تغوص في أعماق المجتمع المصري، وتظهر تفاعلاته مع الأحداث الكبرى. إنها تقدم لنا صورة حية لمصر في لحظة تحولها التاريخي من دولة المماليك إلى ولاية عثمانية، وتكشف عن جذور كثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية التي استمرت لقرون تالية.
في النهاية، تبقى معركة الريدانية رمزًا لسقوط دولة بسبب تفككها الداخلي وخيانة أبنائها، وتبقى قصة طومان باي مثالاً للقائد الشجاع الذي ضحى بنفسه دفاعًا عن بلاده، لكنه سقط تحت وطأة المؤامرات والخيانات.
المصدر:
كتاب آخرة المماليك ابن زنبل الرمال

مقالاتك التاريخية دومًا رائعة، مثل هذا، ومقال يوسف بن تاشفين، ومن هي دولة المماليك.
من الإجحاف لمقالاتك أن تنشر في هذا التطبيق.
مقال جدا رائع بتفاصيل مبهرة ومرعبة. استمري